أحمد ياسوف
230
دراسات فنيه في القرآن الكريم
ولعلّ هذه الانتقائية تستمد قوتها من تصوير هذا الكافر المرتد ، وهو يدلي لسانه كالكلب نتيجة ضرام نار الحقد في دخيلته لاهثا وراء الدمار ، وذلك في حال الأمن والخوف على السواء ، فالتودد لا يجدي معه ، ويقول الجاحظ أيضا : « فكان ذلك دليلا على ذم طباعهم ، والإخبار عن تسرّعه وبذائه ، وعن جهله في تدبيره وتركه وأخذه » « 1 » . ونظرة الجاحظ التخصصية بمنزلة مفتاح فني لتصور هؤلاء الكفرة وقد قرنوا بالكلب من جهة محددة ، فللكلب فوائد كثيرة أيضا . والجاحظ يقدم لنا تفسيرا لاختيار حيوان بعينه في النص القرآني ، وإن كان الأمر لا يمتّ بصلة للصورة الفنية البصرية ، فمنه نفهم الإيحاء النفسي للاختيار الدقيق الذي يوائم الطبيعة البشرية التي تنفر من القبح ، يقول اللّه عز وجل حكاية عن ولد آدم عليه السلام : يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ [ المائدة : 31 ] ، لأن الغراب حفر ليدفن غرابا آخر . وهذا الحيوان يفيد تأكيد بشاعة الموقف المعبر عن وحشية ، وما نقتبس من الجاحظ يعد تنظيرا لظاهرة قبح الحيوان في الصورة الفنية ، إذ قال : « ولو كان في موضع الغراب رجل صالح أو إنسان عاقل ، لما حسن به أن يقول : يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا العاقل الفاضل الشريف ، وكلما كان المقرّع به أسفل كانت الموعظة في ذلك أبلغ » « 2 » . ويتضح هذا الرأي في تأويله لاختيار الخالق مسخ الكافرين قردة وخنازير إذ قال : وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ [ المائدة : 60 ] ، فهذا يوائم الطبيعة البشرية التي تنفر من القبح في هذين الحيوانين ، يقول : « ولو لم
--> ( 1 ) الحيوان : 3 / 38 . ( 2 ) الحيوان : 3 / 411 .